محمد سعيد حميد – اليمن
في مساءٍ مكتظّ بالضجيج، ثبَّتت ليان هاتفها القديم، وعدَّلت زاوية الكاميرا وراجعت كلماتٍ كتبتها على عجل، ثم ضغطت زر البث. تحدثت عن الفن، لا أكثر.
في اللحظة نفسها، استيقظت مدينةٌ كاملة.
انهالت التعليقات كالمطر:
واعظٌ يُحذِّر، وإعلاميٌّ يغضب، وشيخٌ يلوَّح بمفرداتٍ ثقيلة كأنها أحجار. صفحاتٌ لم تُحدَّث منذ شهور عادت فجأة للحياة، ونشطاء استفاقوا من سباتهم، وميكروفوناتٌ صامتة عادت تصدح. كلٌّ وجد في صوت ليان، وابتسامتها، وخصلة شعرٍ أفلتت من حجابها، معركةً تستحق الاستنفار.
شعرت بأن المدينة التي لم تسمع صرخات الجوعى، سمعت همستها بوضوحٍ مدهش.
في صباح اليوم التالي، سارت قرب المدرسة المهجورة التي تحوَّلت مأوى للنازحين. رأت امرأةً تفتَّش في كيس دقيقٍ فارغ انتزعته من برميل القمامة، وطفلاً يلاحق ظلَّ طائرة في السماء. وكان الهواء مثقلاً برائحة القمامة المتخمّرة تحت الشمس، فيما خيّم على المكان هدوءٌ يشبه القبر.
رفعت هاتفها وهي تمسح العرق من جبينها، تردَّدت، ثم أنزلته. تذكّرت كيف امتلأت الشاشات البارحة باسمها.
في المقهى المقابل، جلس بعض أولئك الغاضبين، يتبادلون الضحكات، يتحدَّثون عن الطقس، وعن صديق اختفى منذ عامين ولم يعد، قبل أن ينتهوا إلى أن الصمت، في الأوقات الحساسة، هو الحكمة.
حين مرَّت ليان، رأت أحدهم يشير بإصبعه نحوها من خلف الزجاج، فضحك، ثم عاد لفنجان قهوته. خفُت الكلام لحظةً، ثم عاد كما كان؛ عادياً، مطمئناً، بلا معارك.
عند الغروب، صعدت إلى سطح المنزل. المدينة بدت من الأعلى ككتابٍ ممزَّق الصفحات؛ ضوءٌ هنا، ظلمةٌ هناك، وحكاياتٌ لا تجد من يقرأها. فتحت هاتفها، وكتبت جملةً واحدة من دون بث:
“لم يكن صوتي مرتفعاً… كان صمتكم مدوَّياً.”
حفظت الملاحظة وأغلقت الشاشة.
وفي مكانٍ ما من المدينة، استعدَّ ميكروفونٌ آخر لخطبةٍ جديدة، يبحث -كالعادة- عن الحلقة الأضعف.

Leave a comment