لا يحتاج المسلسل الكويتي “سستر فخرية” إلى كثير من الوقت كي يعلن نواياه الدرامية، فالحكاية تبدأ من لحظة مشبعة بتوتر مكتوم، تتسارع بعدها الأحداث لتكشف أسرارا مدفونة.
ورغم أن القصة تتحرك داخل مساحة هادئة ظاهريا، فإنها تظل متخمة بعلامات الاستفهام وتساؤلات حول من يملك الرواية الكاملة، ومن دفع الثمن دون أن يعرف.
وما يُربك المشاهد أن الجاني ليس مختبئا، بل هو حاضر منذ المشهد الأول، يمشي في الممرات بتأن ويبتسم للجميع، وهو ما يجعل الغموض حالة مستمرة تتسلل إلى العلاقات الإنسانية نفسها.
جريمة تبدأ من غرفة الولادة
العمل الكويتي، الذي انطلق على منصة “شاهد” مؤخرا، نجح في أن يفرض نفسه على خريطة الدراما الخليجية بعيدا عن المنافسة الرمضانية المشتعلة، وما يجعله مختلفا في نقطة انطلاقه هو ذلك الترقب المحسوب منذ المشهد الأول، فالمسلسل يبدأ بجثتين غامضتين، قبل أن يأخذ المشاهد إلى غرفة الأطفال حديثي الولادة.
الصدمة هنا ليست في اكتشاف الجريمة، بل في أن المتفرج يشهد وقوعها على يد امرأة تبدو في عيون الجميع موضع ثقة، هي الممرضة “فخرية”، التي يراها المشاهد تُبدل الأساور التعريفية على معصم الأطفال حديثي الولادة في فعل يبدو روتينيا، لكنه يخفي ما سيقلب حياة عشرات العائلات رأسا على عقب.
رهان الحلقات القصيرة
المسلسل دراما قصيرة من عشر حلقات، تأليف محمد شمس وإخراج مناف عبدال، وبطولة هدى حسين وميس كمر وأبرار أبو سيف ومرام البلوشي ومشعل الشايع وحسن عبدال وشهاب حاجية وعبد العزيز مندني.
وبالنظر إلى عدد حلقاته المحدود، يغرد المسلسل منفردا، بعيدا عن الدراما الخليجية التي تميل إلى الإطالة، إذ ابتعد صانعوه عن الحشو، محافظين على تركيز الأحداث والشخصيات، ومن ثم نجح في أن يكون مكثفا وجامعا بين التشويق والإثارة، وأن يأتي بإيقاع سريع نسبيا وسط سرد متماسك.
مع ذلك، لم يخل المسلسل من العيوب، فرغم حفاظه على توتره الدرامي حتى الحلقات الأخيرة، فإن بعض الالتواءات الدرامية كان يمكن أن تحظى ببناء أكثر عمقا، خاصة فيما يتعلق بالنهاية، كما بدت بعض اللمسات الكوميدية دخيلة على الأجواء النفسية الثقيلة، وهو ما أفقد بعض المشاهد جزءا من تأثيرها.
محمد شمس وعالم الأسرار الطبية
“سستر فخرية” هو العمل الدرامي الطويل الرابع للمؤلف محمد شمس، واللافت أن البيئات الطبية تكاد تشكل خيطا ممتدا في عدد من أعماله. ففي “ست الحسن” جاءت البطلة مرتبطة بعالم الطب البديل، وفي “أم هارون” كانت البطلة طبيبة يهودية، وحتى في “أثر بارد” لعبت الطبيبة دورا محوريا في الأحداث.
وبخلاف المكان، يميل شمس إلى اختيار حقب قديمة تخدم منطقه الدرامي. فالتسعينيات هنا ليست مجرد نوستالجيا أو قرارا جماليا، بل حقبة تجعل وقوع الأخطاء وإخفاءها أكثر قابلية للتصديق، وفي الوقت نفسه تستحضر تفاصيل اجتماعية وثقافية أصبحت جزءا من الذاكرة الجمعية، مما يجعل الزمن عنصرا سرديا في حد ذاته.
ومع أن إعادة بناء تلك المرحلة تشكل تحديا بصريا، فإن الديكورات والملابس والإكسسوارات جاءت منسجمة مع العالم الدرامي دون مبالغة أو استعراض.
أما المخرج مناف عبدال، فقد نجح في تعزيز التوتر المتراكم وإدارته، مفضلا التركيز على عدد محدود من مواقع التصوير، وهو ما أسهم في خلق حالة مستمرة من الترقب.
وجه جديد لهدى حسين
أما آخر ما يميز كتابات شمس، فهو وضع الشخصيات النسائية في قلب الالتباس الأخلاقي. فالمرأة في حكاياته ليست شخصية مثالية ولا شريرة صريحة، بل تقف في منطقة تتداخل فيها الدوافع الإنسانية مع الأخطاء والقرارات القاسية.
وقد اعتمدت هدى حسين على شخصية تتكشف طبقاتها تدريجيا، مقدمة أداء يقوم على الهدوء وإدارة الصمت أكثر من الانفعال. ويكفي تأمل التغيرات في ملامحها ونبرة صوتها بين لحظات الاطمئنان التي تبثها في الآخرين ولحظات المواجهة، لندرك المسافة بين الوجهين اللذين تعيش بهما الشخصية.
ورغم ذلك لم تمنح الكتابة الأدوار المساندة العمق نفسه، فبدت بعض الشخصيات أقل تطورا مما يحتاجه السياق الدرامي.
هل كانت النهاية ناجحة؟
ومع وصول العمل إلى حلقته الأخيرة قبل ساعات، تفاوتت ردود الأفعال حول النهاية لكونها لم تُغلق جميع الخيوط الدرامية، بقدر ما ركزت على فكرة أن الحقيقة قد تظهر، لكنها لا تمحو آثار الماضي.
فحتى بعد اعتراف فخرية، تبقى الأسئلة الأصعب بلا إجابات حاسمة: هل يكفي الاعتراف لتحقيق العدالة؟ وهل تصبح الحقيقة خلاصا أم بداية لمعاناة جديدة؟
لكن من زاوية نقدية، يمكن النظر إلى هذه النهاية -رغم افتقارها إلى العمق، إذ اكتفت بالإشارة إلى مصائر بعض الشخصيات دون منحها المساحة الدرامية الكافية- بوصفها امتدادا لطبيعة العمل نفسه.
فالمسلسل ليس تحقيقا بوليسيا يبحث عن المذنب، لأن هوية فخرية كانت معروفة منذ البداية، وإنما انشغل بأثر الجريمة. لذلك أغلقت النهاية القضية القانونية، لكنها أبقت الجراح الإنسانية مفتوحة، وهو ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كان ذلك تمهيدا لموسم جديد.
اختار مسلسل “سستر فخرية” أن يجعل من الثقة في منظومة كاملة مادة للجريمة، طارحا إشكالية اجتماعية حول علاقتنا بالمؤسسات التي نُسلمها أطفالنا وأجسادنا في أكثر لحظاتنا هشاشة.
ورغم أهمية الفكرة، تبقى الدراما الخليجية القصيرة المكثفة رهانا يصعب الفوز به حتى الآن، لأنها تتطلب من الكتابة والإخراج إحكام البناء دون إهدار التفاصيل.
لكن المحاولة هنا، رغم بعض الإخفاقات، تؤكد أن هذا النوع من الأعمال يملك فرصة حقيقية للتطور، خاصة عندما يُبنى التشويق على شخصيات ومعضلة إنسانية لا على المفاجآت وحدها.

Leave a comment