يبدو أن الاتفاق الإطاري الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب وإطلاق مسار تفاوضي جديد حول الملف النووي قد وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام واحدة من أكثر اللحظات السياسية تعقيداً في مسيرته، بعدما كشف عن فجوة واضحة بين الأهداف التي سعت إليها إسرائيل وملامح التسوية التي يجري التفاوض عليها.
فبحسب التفاصيل الأولية المتداولة، لا يتضمن الاتفاق العديد من المطالب الأساسية التي دفعت تل أبيب باتجاهها طوال سنوات، وعلى رأسها فرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو الحد من الدعم الذي تقدمه طهران لحلفائها الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن، بحسب “نيويورك تايمز”.
ورغم أن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر بعد، كما أن إسرائيل لم تكن طرفاً مباشراً في المفاوضات، فإن المؤشرات الأولية أثارت قلقاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، خصوصاً مع الحديث عن تخفيف محتمل للعقوبات الاقتصادية على إيران، الأمر الذي قد يوفر لطهران موارد مالية إضافية تعزز نفوذها الإقليمي.
غموض يحيط بالملف النووي
وتبقى القضية الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل، وهي البرنامج النووي الإيراني، محاطة بالكثير من علامات الاستفهام.
فحتى الآن لم تُحسم القضايا الجوهرية المتعلقة بمصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب أو مستقبل عمليات التخصيب داخل البلاد، على أن تُناقش هذه الملفات خلال فترة وقف إطلاق النار الممتدة لـ60 يوماً.
كما أثارت تصريحات إيرانية تحدثت عن وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي الاتفاق إلى تقييد حرية تحرك الجيش الإسرائيلي ضد حزب الله، رغم تأكيد نتنياهو أن إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بحقها في مواجهة أي تهديدات أمنية.
خلافات متزايدة مع ترامب
وخلال مؤتمر صحفي، حاول نتنياهو التقليل من حجم الخلافات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيراً إلى أن الطرفين “يتفقان في كثير من القضايا” رغم وجود تباينات في بعض الملفات.
إلا أن شخصيات بارزة داخل الحكومة الإسرائيلية كانت أكثر صراحة، حيث وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الاتفاق بأنه “سيئ لإسرائيل وللعالم الحر”، في إشارة إلى تنامي المعارضة الداخلية للصفقة.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقة بين ترامب ونتنياهو توتراً ملحوظاً، بعدما وجه الرئيس الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة انتقادات علنية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، في مقابل إشادته بما وصفه بـ”البراغماتية” التي يبديها القادة الإيرانيون في المفاوضات.
رهان لم يحقق أهدافه
ويرى محللون أن نتنياهو بنى استراتيجيته طوال أكثر من عقد على فكرة دفع الولايات المتحدة إلى تبني موقف أكثر تشدداً تجاه إيران، وصولاً إلى مواجهة مباشرة تُفضي إلى إضعاف النظام الإيراني أو تقليص قدراته النووية والعسكرية بشكل جذري.
لكن الاتفاق الأخير، وفق تقديرات عديدة داخل إسرائيل، أعاد المشهد إلى نقطة قريبة من الوضع الذي كان قائماً قبل اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، من دون تحقيق الأهداف الكبرى التي سعت إليها الحكومة الإسرائيلية.
كما أن الحرب نفسها، التي كانت تُقدَّم باعتبارها فرصة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، انتهت من دون القضاء على خصوم إسرائيل الرئيسيين، سواء حركة حماس في غزة أو حزب الله في لبنان أو إيران نفسها، وهو ما يمنح هذه الأطراف فرصة لتقديم بقائها وصمودها باعتباره شكلاً من أشكال الانتصار السياسي والاستراتيجي.
مرحلة جديدة من عدم اليقين
ويعتقد مراقبون أن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يفرض على إسرائيل تحديات استراتيجية غير مسبوقة، خاصة إذا انتهت المفاوضات إلى تسوية تسمح لإيران بالحفاظ على جزء من قدراتها النووية والاقتصادية.
وفي ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واستمرار تراجع شعبية نتنياهو في استطلاعات الرأي، قد يتحول الاتفاق إلى ملف سياسي داخلي ضاغط، يضع رئيس الوزراء أمام تساؤلات متزايدة حول جدوى الاستراتيجية التي اتبعها تجاه إيران طوال السنوات الماضية، وما إذا كانت الحرب الأخيرة قد عززت أمن إسرائيل أم كشفت حدود قدرتها على فرض شروطها في الإقليم.

Leave a comment