تشهد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية واحدة من أعنف الهزات الدبلوماسية في التاريخ الحديث مدفوعة بتحول جوهري غير مسبوق في استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط. وجاء التطور الأخير المتمثل في رفض البيت الأبيض القاطع إطلاع حكومة بنيامين نتنياهو على النص السري لمذكرة التفاهم المبرمة حديثا مع طهران ليعلن رسميا عن اتساع الهوة وتعمق الخلاف بين الحليفين التقليديين واحتدام الصدام الشخصي والسياسي بين ترامب ونتنياهو.
تأتي خطوة حجب النص السري كما نشرت الصحف الاجنبية قبيل مراسم التوقيع الحاسمة المقررة في سويسرا لتعكس رغبة إدارة ترامب في عزل الفيتو الإسرائيلي ومنعه من تخريب التفاهمات اللحظية. وتتضمن هذه التفاهمات رفعا تدريجيا للعقوبات وضخ مليارات الدولارات المجمدة مقابل التزامات إيرانية بوقف التسلح النووي وإعادة فتح مضيق هرمز.
من منظور الخبراء الدوليين فإن هذا التهميش المتعمد لإسرائيل في ملف يمس أمنها الوجودي يحمل دلالتين
الأولى هي استقلالية القرار الأمريكي حيث تسعى إدارة ترامب لإثبات أن مصالح واشنطن الاستراتيجية والاقتصادية مثل خفض أسعار النفط وإنهاء الحصار البحري تعلو فوق التحالفات العضوية وأن واشنطن لم تعد مستعدة لمنح تل أبيب شيكا على بياض لرسم سياسات المنطقة.
والثانية هي غياب الثقة إذ تخشى الإدارة الأمريكية من أن يؤدي إطلاع إسرائيل على البنود التفصيلية الأربعة عشر للمذكرة إلى تسريبها بهدف إحراج الإدارة أمام الكونغرس أو استخدامها ذريعة لشن ضربات عسكرية إسرائيلية إجهاضية تفشل المسار الدبلوماسي.
جذور الصدام بين ترامب ونتنياهو
الخلاف الراهن ليس وليد الصدفة بل هو نتاج تباين جذري في الأولويات السياسية منذ أوائل عام 2026. فبينما تحرك الطرفان بانسجام في العمليات العسكرية ضد طهران وضد قياداتها تفرقت مساراتهما عقب ذلك حيث يرى ترامب أن مهمته العسكرية قد أنجزت وحان وقت جني المكاسب السياسية والاقتصادية عبر إبرام الصفقة الكبرى مستخدما في ذلك لهجة حادة غير معهودة ضد نتنياهو ومذكرا إياه علنا بأن إسرائيل لم تكن لتبقى لولا الدعم الأمريكي.
في المقابل يواجه نتنياهو ضغوطا داخلية هائلة لا سيما من أقطاب اليمين المتطرف في حكومته مثل إيتمار بن غفير الذين يعتبرون الاتفاق استسلاما ويؤكدون أن إسرائيل غير ملزمة به. يرى نتنياهو أن الاتفاق يمنح إيران شرعية إقليمية واقتصادية تتيح لها إعادة بناء محور المقاومة وتسليح حزب الله خاصة مع وجود بنود غامضة تفسرها طهران على أنها فرض لانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان لوقف إطلاق النار على كافة الجبهات.
التداعيات المستقبلية على مشهد الأمن الإقليمي
يضع هذا التحول الدبلوماسي المفاجئ المنطقة أمام سيناريوهين مرتقبين:
أما الانصياع المر بأن يضطر نتنياهو في النهاية لابتلاع غضبه والتعايش مع الاتفاق لتفادي صدام شامل مع ترامب قد يعصف بمستقبله السياسي مع التركيز على انتزاع حزمة تعويضات أمنية وعسكرية أمريكية ضخمة خلف الكواليس.
أوالتمرد والعمل المنفرد بأن تصعد إسرائيل من عملياتها العسكرية المستقلة في لبنان أو داخل العمق الإيراني لإثبات عدم التزامها بالاتفاق وهو ما قد يضعها في مواجهة دبلوماسية مباشرة وقاسية مع البيت الأبيض.

Leave a comment