أصدر المؤشر العالمى للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم العدد الجديد من (فتوى تريندز)، الذى يسلِّط الضوء على خريطة الفتاوى والموضوعات الدينية الأكثر تداولًا وتأثيرًا فى الفضاء الرقمى ومنصات التواصل الاجتماعى خلال الشهر.
وكشف هذا العدد من النشرة عن مشهد دينى وإفتائى بالغ الثراء والتنوع، حيث تصدرت القضايا الجدلية ذات الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإعلامية قائمة الموضوعات الأكثر تداولًا، بالتوازى مع تصاعد الاهتمام بالتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعى ومخاطر الفضاء الإلكترونى، فضلًا عن استمرار حضور القضايا المرتبطة بالشعائر الدينية الموسمية والفتاوى الاقتصادية المعاصرة، والتحديات الفكرية والمجتمعية التى تواجه المجتمعات العربية والإسلامية.النطاق المحلى.. «برشامة» يشعل الجدل.. ودار الإفتاء تكسب معركة المراهنات الإلكترونيةأظهر التحليل الموضوعى والإحصائى فى مصر على وسائل التواصل هيمنةً واضحة للموضوعات التى تدمج بين الدين والإعلام والفن والسلوك الاجتماعى على حساب الفتاوى المعتادة.
وأظهرت نشرة «تريندز» أن المشهد الإفتائى والدينى فى مصر خلال شهر مايو شهد تصاعدًا ملحوظًا فى تفاعل الجمهور مع القضايا الجدلية والمثيرة للنقاش المجتمعى، وتصدر الجدل المرتبط بفيلم «برشامة» وتصريحات أحد الفنانين حول الصحابة قائمة التريندات الدينية بنسبة تفاعل بلغت (28%)، ونال فيلم «برشامة» الاهتمام الجماهيرى الأكبر عقب طرحه على إحدى المنصات الرقمية.
وأوضح مؤشر الفتوى فى نشرته أن الجمهور المتلقى انقسم تجاه الفيلم إلى تيارين: تيار محافظ (والذى شكّلت كثافته الانفعالية تفاعلًا سلبيًّا تقاربت نسبته إلى (40%)؛ الذى رأى فى الفيلم جرأة آثمة على المقدسات والرموز الفقهية من خلال زج أسماء أئمة كبار، كالإمام أبى حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، فى إيفيهات كوميدية، فضلاً عن تشبيه الشخص المتدين بالجاهل والرجعى.وفى المقابل، جاء التيار المؤيد الذى يحمل رؤية إيجابية تجاه الفيلم بنسبة تفاعل اقتربت من (50%)، معتبرًا العمل نقدًا اجتماعيًّا مشروعًا للتدين الشكلى واستغلال الدين، فى حين لعبت المنصات الرقمية، وخاصة تداول المقاطع القصيرة عبر منصة «تيك توك»، دورًا حاسمًا فى تضخيم الأزمة، والتزمت النسبة الأخرى الباقية بموقف الحياد تجاه العمل الفنى.وفى إطار آخر.
أشارت نشرة «فتوى تريندز» إلى أن (68%) من التفاعل الجماهيرى مع الفتوى التى تُجيز الأضحية بالطيور جاءت رافضة لها تمامًا؛ لاعتبارها خروجًا عن إجماع المذاهب الأربعة وتصادمًا مع المعلوم من الدين بالضرورة، بينما تعاملت (22%) من التعليقات مع الموضوع ذاته من منظور ساخر وكوميدى (ميمز ونكات شعبية مثل: «أضحية كنتاكي»)، واكتفت نسبة ضئيلة جدًّا بلغت (10%) بالدفاع عن الفتوى من باب حق الاجتهاد الفقهى واستدعاء الآراء المهجورة فى التراث.
واحتلت فتوى دار الإفتاء المصرية بتحريم المراهنات الإلكترونية وتطبيقات القمار الرقمى المرتبة الثالثة محليًّا بنسبة (15%) من إجمالى تريندات الفتاوى والموضوعات الدينية التى أحدثت تفاعلًا وصدًى على وسائل التواصل، وأظهر تحليل البيانات تجاه تلك الفتوى نجاحًا منقطع النظير لدار الإفتاء؛ إذ حظى بيانها بتفاعل إيجابى ومؤيد واسع بلغت نسبته نحو (74%) من إجمالى التفاعلات الجماهيرية والشعبية، وبرهنت الفتوى على قدرة دار الإفتاء على الاشتباك السريع والفعال مع مستجدات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمى من جهة، وحماية الشباب والأسرة من الإدمان السلوكى والخسائر المالية المحرمة من جهة أخرى.
كما سلَّطت نشرة تريندز الضوء على تنامى اهتمام المؤسسات الدينية بالقضايا المجتمعية والسلوكية المستجدة، ومن أبرزها التحذير من انتشار مقاطع مصورة بين بعض المراهقين تتضمن تناول أدوية منومة بغرض تحقيق المشاهدات والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعى، وهى الظاهرة التى أثارت حالة من القلق المجتمعى الواسع، وشهدت تفاعلًا كبيرًا من جهات دينية وطبية ونفسية وأسرية، بما يؤكد اتساع دور المؤسسات الدينية فى رصد الظواهر المجتمعية والتوعية بمخاطرها.
وفى الإطار ذاته، تناولت النشرة عددًا من القضايا ذات الطابع التنظيمى والإرشادى، من بينها التأكيد على عدم جواز ذبح الأضاحى فى الشوارع حفاظًا على النظام العام والصحة العامة، إضافة إلى الجدل المرتبط بعمليات التجميل وضوابطها الشرعية، وهى موضوعات وإن جاءت بمعدلات تفاعل أقل من القضايا الجدلية، إلا أنها عكست تزايد الوعى المجتمعى بالقضايا المرتبطة بالسلوك الحضارى والبيئة والصحة العامة.
دار الإفتاء المصرية.. مرجعية راسخة فى مواجهة الجدلوخلصت نتائج الرصد والتحليل إلى استمرار الثقة المجتمعية فى دار الإفتاء المصرية والمؤسسات الدينية الرسمية بوصفها المرجعية الأساسية القادرة على تفسير القضايا المستجدة وضبط المفاهيم الشرعية فى أوقات الجدل والاستقطاب، حيث كشفت العديد من التريندات أن الجمهور لا يزال يلجأ إلى منصات دار الإفتاء طلبًا للتوضيح والتفسير والحسم العلمى فى القضايا المثيرة للجدل.
كما أظهرت المؤشرات تنامى الحاجة إلى خطاب دينى مؤسسى قادر على التعامل مع طبيعة البيئة الرقمية الجديدة، التى أصبحت تحكمها سرعة التداول وكثافة المحتوى واختصار الرسائل الإعلامية، وهو ما يفرض على المؤسسات الدينية مواصلة تطوير أدواتها الإعلامية والتواصلية بما يتناسب مع طبيعة الجمهور المعاصر.
التريندات العربية والخليجية.. تنوع القضايا بين الشعائر الموسمية والتحولات الرقميةوعلى المستوى العربى والخليجى، أظهرت النشرة تنوعًا ملحوظًا فى القضايا والفتاوى المتداولة، واستحوذت تريندات الموضوعات والقضايا على نحو (65%) من إجمالى التريندات، مقابل (35%) فقط لتريندات الفتاوى، بما يعكس تحولًا ملحوظًا فى اهتمامات الجمهور الرقمى من البحث عن الأحكام الشرعية المباشرة إلى التفاعل مع القضايا الدينية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والفكرية والمؤسسية.
وجاءت المملكة العربية السعودية فى صدارة قائمة الدول الأكثر حضورًا فى تريندات الفتاوى والموضوعات الدينية على مستوى النطاق العربى والخليجى بنسبة بلغت (37%)، حيث تصدرت الفتاوى المرتبطة بموسم الحج وعشر ذى الحجة المشهد، إلى جانب التفاعل مع تحذيرات وزارة الشئون الإسلامية من مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعى فى نشر الفتاوى المضللة، فضلًا عن المبادرات الداعية إلى تعزيز الوسطية ومواجهة خطاب الكراهية.وفى ليبيا، تصدرت فتاوى المعاملات المالية الحديثة المشهد، وعلى رأسها الأحكام الشرعية المتعلقة ببيع الفضة عبر الإنترنت وضوابط التقابض الإلكترونى، أما فى سوريا، فتداخلت القضايا الإفتائية مع الملفات المجتمعية والسياسية، حيث شهدت الساحة الدينية تفاعلًا مع مبادرات تعزيز السلم الأهلى ووحدة الخطاب الإسلامى، إلى جانب الجدل حول بعض الفتاوى المرتبطة بالأضحية.
وفى قطر، برز اهتمام واسع بإطلاق خدمات دينية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعى لدعم الحجاج عبر تطبيقات التواصل الحديثة.وفى تونس، استحوذت الفتاوى المرتبطة بالأضحية والاستطاعة الشرعية فى ظل ارتفاع الأسعار على جانب كبير من النقاشات، إلى جانب الجدل حول قضايا المرأة ودورها المجتمعى، كما رصدت النشرة تفاعلًا واسعًا فى الأردن مع الفتاوى المتعلقة بأفضلية الأضحية على التصدق بثمنها، بينما شهدت فلسطين نقاشات موسعة حول بعض الرخص الفقهية المرتبطة بمناسك الحج، وخاصة مسألة رمى الجمرات قبل الزوال للحجاج المتعجلين.
وفى السودان، برزت فتاوى جواز شراء الأضحية بالتقسيط وصيام قضاء رمضان خلال الأيام الأولى من ذى الحجة، فى حين تصدرت فى الإمارات النقاشات المرتبطة بضرورة إصدار فتاوى تواكب متغيرات العصر، إلى جانب التفاعل مع قضايا الخطاب الدينى وعلاقته بالتطورات الإقليمية، وتعكس هذه التريندات مجتمعة اتساع نطاق القضايا الدينية المتداولة عربيًّا، وانتقال الاهتمام من المسائل الفقهية التقليدية إلى قضايا أكثر ارتباطًا بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التى تشهدها المجتمعات العربية.
حماية الحريات الدينية ومواجهة التضليل الرقمى.. أبرز القضايا دوليًّا
وعلى المستوى الدولى، رصدت النشرة استمرار تصدر القضايا المرتبطة بالهوية الدينية والتعايش المجتمعى وحقوق المسلمين فى المجتمعات الغربية قائمة التريندات الدينية الأكثر تداولًا، حيث شهدت عدة دول أوروبية تفاعلات واسعة مع قضايا حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية الرموز والمقدسات الدينية من خطاب الكراهية والاستهداف المتكرر، كما برزت نقاشات واسعة حول تزايد مظاهر الإسلاموفوبيا وخطابات اليمين المتطرف فى بعض الدول، وما تفرضه من تحديات أمام جهود الاندماج المجتمعى وتعزيز ثقافة التعددية وقبول الآخر.
وشهدت الساحة الدولية كذلك نقاشات متعلقة بأمن دور العبادة وحمايتها فى ظل تكرار بعض الحوادث ذات الدوافع الدينية، وما ترتب عليها من دعوات لتعزيز التشريعات والإجراءات الوقائية لمواجهة جرائم الكراهية.
وفى سياق متصل، برزت التحديات الرقمية بوصفها أحد أهم الملفات الدولية المرتبطة بالشأن الدينى، حيث تزايدت المخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعى والمنصات الرقمية فى نشر المعلومات المضللة والمحتويات المحرضة على الكراهية أو التلاعب بالوعى العام، الأمر الذى دفع العديد من المؤسسات إلى المطالبة بوضع ضوابط أخلاقية وتشريعية تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، كما كشفت التريندات الدولية عن تنامى الاهتمام بدور المؤسسات الدينية فى تعزيز قيم السلم المجتمعى والحوار بين الأديان، باعتبارها أحد أهم الأدوات لمواجهة الاستقطاب والتطرف وترسيخ التفاهم بين الثقافات المختلفة.
تعزيز الوعى الدينى ومواكبة التحولات الرقمية.. أبرز توصيات النشرة
واختتمت النشرة بعددٍ من التوصيات والمقترحات، فى مقدمتها ضرورة مواصلة تطوير أدوات الخطاب الدينى الرقمى بما يتناسب مع أنماط التلقى الحديثة على منصات التواصل الاجتماعى، وتعزيز الحضور المؤسسى للجهات الإفتائية فى معالجة القضايا المستجدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعى والتحولات الرقمية، كما أوصت النشرة بتكثيف برامج التوعية بمخاطر المراهنات الإلكترونية والإدمان الرقمى، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والإعلامية والتربوية لمواجهة الظواهر السلوكية السلبية بين الشباب.
فى حين دعت النشرة إلى دعم المحتوى الدينى الرصين القادر على منافسة المحتوى المثير للجدل، وترسيخ ثقافة التحقق والتثبت قبل تداول الفتاوى أو التعليق عليها، بما يسهم فى ضبط المشهد الإفتائى وتعزيز الوعى المجتمعى وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والاستقرار المجتمعى.
وأخيرًا أكدت النشرة أن الرصد الدورى للتريندات الإفتائية والدينية يمثل أداة مهمة لاستشراف اتجاهات الرأى العام، ودعم صانعى القرار والمؤسسات الدينية والإعلامية فى التعامل مع القضايا المستجدة، بما يسهم فى تعزيز الوعى المجتمعى وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والاستقرار.

Leave a comment