في أعقاب الاضطرابات التي أحدثتها الحرب الإيرانية في أسواق الطاقة العالمية، تتجه أوروبا إلى إعادة رسم خريطة أمنها الطاقي والتجاري، مدفوعة بمخاوف متزايدة من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وبينما تكبدت دول الاتحاد الأوروبي مليارات اليوروهات الإضافية نتيجة ارتفاع تكاليف استيراد النفط والغاز، تتسارع النقاشات داخل بروكسل حول بناء شبكات بديلة للنقل والطاقة تربط القارة الأوروبية بالشرق الأوسط والهند بعيدًا عن بؤر التوتر الجيوسياسي.
أعادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إحياء الاهتمام بمشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، معتبرة أنه يمثل نموذجًا للمسارات البديلة القادرة على تعزيز مرونة التجارة وسلاسل الإمداد في مواجهة الأزمات.
وخلال قمة مجموعة السبع الأخيرة، أكدت فون دير لاين أن العالم بحاجة إلى طرق تصدير أكثر تنوعًا ومرونة، مشيرة إلى أن مشروع IMEC يعد أحد أبرز الخيارات المطروحة لتحقيق هذا الهدف.
ويُنظر إلى المبادرة باعتبارها ركيزة إستراتيجية تمنح الاتحاد الأوروبي قدرة أكبر على تنويع مصادر الطاقة وسلاسل التوريد، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات متزايدة نتيجة استمرار التوتر مع روسيا وتراجع متانة بعض الشراكات الإستراتيجية التقليدية مع الولايات المتحدة.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي دعم المشروع من خلال مذكرة تفاهم، فإن عددًا محدودًا فقط من الدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة وقع رسميًّا على المبادرة.
ومع ذلك، يؤكد دبلوماسيون أوروبيون أن الالتزام السياسي بالمشروع يحظى بدعم واسع خلف الكواليس.
وأوضح دبلوماسي أوروبي شارك في مناقشات رفيعة المستوى بشأن المشروع أن التركيز الحالي ينصب على تحويل الرؤيا إلى واقع عملي من خلال ثلاثة محاور رئيسية تشمل الربط التجاري والنقل، وربط شبكات الطاقة، وتعزيز البنية التحتية الرقمية. ومن المتوقع أن يتطلب ذلك إنشاء خطوط أنابيب جديدة وكابلات نقل ومنشآت لوجستية متطورة.
ولم يحدد الاتحاد الأوروبي حتى الآن جدولًا زمنيًّا واضحًا لتنفيذ المشروع، في حين يواصل البحث عن آليات التمويل والتنسيق اللازمة لتحويله إلى واقع.
ويمر الممر المقترح عبر إسرائيل التي تُعد من أبرز الداعمين له. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف المشروع خلال محادثاته مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بأنه “تطوّر ثوري وتحويلي” يمكن أن يغيّر خريطة التجارة والطاقة الإقليمية.
أوروبا تبحث عن مسارات طاقة جديدة
أدّت الحرب الإيرانية إلى تعميق القناعة الأوروبية بضرورة تقليل الاعتماد على مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر الممرات الإستراتيجية عرضة للتوترات العسكرية.
وكشفت فون دير لاين، أن الاتحاد الأوروبي أنفق خلال أول 54 يومًا من الحرب نحو 25 مليار يورو إضافية لاستيراد النفط والغاز، في وقت يواجه فيه أيضًا مخاطر طويلة الأمد تتعلق بإمدادات وقود الطائرات.
وخلال اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في أبريل الماضي، شددت فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا على استعداد التكتل للتعاون مع دول الشرق الأوسط لإنشاء بنية تحتية جديدة للطاقة تتجاوز مناطق الصراع الساخنة وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وتبرز أهمية هذا التوجه في الاستفادة من البنية التحتية القائمة بالفعل، وعلى رأسها خط الأنابيب السعودي الممتد من شرق المملكة إلى البحر الأحمر، والذي رفع قدراته التشغيلية إلى الحد الأقصى البالغ سبعة ملايين برميل يوميًّا بعد اندلاع الحرب مع إيران.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو أن قادة مجموعة السبع يناقشون حاليًّا سبل تمويل وإنشاء بنى تحتية للطاقة والنقل، بعضها بري، بما يسمح بتجاوز المسارات التقليدية المرتبطة بمضيق هرمز.
ورغم غياب تفاصيل رسمية بشأن المشاريع التي سيدعمها الاتحاد الأوروبي، فإن مسؤولين أوروبيين أشاروا إلى أن بروكسل تعتزم تشجيع الشركات الأوروبية على الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة داخل دول الشرق الأوسط بهدف تلبية احتياجات القارة من الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات مستقبلًا.
ويرى غابرييل ميتشل، الباحث في “صندوق مارشال الألماني”، أن الانخراط الأوروبي في مشاريع الطاقة الخليجية سيحتاج إلى وقت، إلا أن الأولوية الحالية ستمنح لمشاريع خطوط النفط والغاز نظرًا لقصر فترة إنجازها مقارنة بالمشاريع الأخرى، إضافة إلى دعم إصلاح المنشآت التي تعرَّضت للاستهداف خلال الحرب.
وأشار ميتشل إلى أن أي بنية تحتية جديدة ستراعي التوجهات البيئية للاتحاد الأوروبي؛ ما يعني تصميم خطوط الأنابيب بحيث تكون قادرة مستقبلًا على نقل الغاز الطبيعي والهيدروجين معًا ضمن مفهوم “الاستخدام المزدوج”.
شرق المتوسط يتحوّل إلى عقدة طاقة جديدة
إلى جانب مشاريع النقل والأنابيب، يراهن الاتحاد الأوروبي على تعزيز شبكات الربط الكهربائي الإقليمية باعتبارها جزءًا أساسيًّا من إستراتيجية أمن الطاقة المستقبلية.
ومن أبرز هذه المشاريع “الموصل البحري العظيم”، وهو كابل كهربائي مدعوم أوروبيًّا يمتد لمسافة 1208 كيلومترات، ويهدف إلى ربط شبكات الطاقة في أوروبا القارية بقبرص، ثم بإسرائيل في مرحلة لاحقة.
ورغم التحديات البيروقراطية والتمويلية التي تواجه المشروع، فإنه يحمل إمكانات إستراتيجية كبيرة، ليس فقط لإنهاء عزلة قبرص وإسرائيل الطاقية، بل أيضًا لتحويل شرق المتوسط إلى حلقة وصل رئيسية تربط أوروبا بالهند ضمن شبكة أوسع تتكامل مع مشروع IMEC.
وترى غاليا ليندنشتراوس، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن المشروع يمثل حلًّا عمليًّا ومتقدمًا لاحتياجات الطاقة الحديثة، كما يوفر منصة مرنة لدعم التحول العالمي نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وفي الوقت ذاته، تواصل الولايات المتحدة دعم مشاريع الطاقة في شرق المتوسط. فقد أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن واشنطن تعمل على تعزيز الشراكة الطاقية بين اليونان وقبرص وإسرائيل، انطلاقًا من قناعة متزايدة بأن المنطقة ستلعب دورًا محوريًّا في مستقبل الطاقة العالمي.
وجاءت تصريحات رايت خلال افتتاح مركز طاقة شرق المتوسط في جامعة رايس بمدينة هيوستن، وهو مركز يهدف إلى تعزيز التعاون في تطوير حقول الغاز الطبيعي، وتوسيع البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، وتطوير شبكات نقل الطاقة بين دول المنطقة وأوروبا.
وبينما لا تزال المشاريع المطروحة بحاجة إلى سنوات من العمل والاستثمارات الضخمة، تبدو الحرب الإيرانية قد دفعت أوروبا إلى تسريع خططها لإعادة هندسة خريطة الطاقة والتجارة، سعيًا لبناء منظومة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات الجيوسياسية التي تهدد أمن الإمدادات مستقبلًا.

Leave a comment