يحظى لويس دي لا فوينتي، المدير الفني للمنتخب الإسباني (65 عامًا)، باهتمام وإعجاب عالمي غير مسبوق في هذه الأيام.
وبغض النظر عن نتيجة المباراة النهائية المرتقبة في كأس العالم أمام الأرجنتين، فإن إنجازاته مع “لا روخا”، والتي تشمل التتويج بدوري الأمم الأوروبية وكأس أمم أوروبا 2024، تضعه في مصاف كبار المدربين.
هذه النجاحات الباهرة، التي يسعى العديد من اللاعبين المعتزلين لتحقيق جزء منها في مسيرتهم التدريبية، جعلت منه قدوة يحتذى بها. ولكن خلف هذه الانتصارات قصة صمود ملهمة يمكن أن تكون شعاع أمل لأكثر من 2.3 مليون عاطل عن العمل في إسبانيا.
View this post on Instagram A post shared by 365Scoresarabic (@365scoresarabic)
18 شهرًا من البطالة والمعاناة
اختبر دي لا فوينتي قسوة البطالة لمدة 18 شهرًا متواصلة. وقد تحدث بصراحة عن هذه الفترة الصعبة في عدة مقابلات صحفية، وحتى في سيرته الذاتية، واصفًا إياها بأنها كانت حفرة عميقة ومقلقة، لكنه خرج منها أكثر إيمانًا وتصميمًا.
بدأت الأزمة في 16 أكتوبر 2011، عندما قرر نادي ألافيس الناشط حينها في دوري الدرجة الثالثة، إقالته بعد بداية متعثرة للموسم. وبعد هذه الإقالة، عاش المدرب الإسباني، ما يعادل عامًا ونصف العام دون عمل، قبل أن يأتيه طوق النجاة من الاتحاد الإسباني لكرة القدم في مايو 2013، لتبدأ رحلته الاستثنائية نحو المجد المونديالي.
ذكريات الإقالة المؤلمة
يستذكر أفيلينو فرنانديز دي كينكوسيس، رئيس نادي ألافيس الذي اتخذ قرار الإقالة الصعب بعد 11 جولة فقط (أربع انتصارات، وثلاثة تعادلات، وأربع هزائم)، تلك اللحظات قائلًا: “إبلاغ شخص بمثل هذا الخبر أمر مزعج دائمًا، لكنه لم يتذمر إطلاقًا وكان مثالًا يُحتذى به. تعاقدنا معه بتوصية من الجميع، وكان يتمتع بشخصية مذهلة وروح مرحة، وأتذكره دائمًا بأناقته المعهودة”.
من جانبه، يتذكر جيتو، المهاجم الذي سجل هدف التعادل في المباراة التي أُقيل بعدها دي لا فوينتي، تفاصيل تلك الأيام: “كنت آمل أن ينقذه هدفي، لكن الإدارة كانت تفتقر للصبر. لقد كان يحب اللعب الاستحواذي، تمامًا كما يفعل الآن مع المنتخب. كانت إقالته ضربة قوية له، خاصة أنه ترك منصبه المريح في أتلتيك بيلباو من أجل هذا المشروع”.
أما ابن شقيق دي لا فوينتي، الذي يحمل نفس اسمه (لويس)، فكان شاهدًا على تلك اللحظة القاسية في المدرجات: “كان سماع هتافات الجماهير المطالبة برحيله قاسيًا جدًا. لكننا كعائلة كنا نردد له دائمًا: الأفضل لم يأتِ بعد، وهو ما تحقق بالفعل. لقد عانى كثيرًا في تلك الفترة”.
المصدر: (Getty images)
العائلة والشغف.. طوق النجاة في الأزمات
في ظل غياب الفرص وضبابية المستقبل، كانت العائلة هي الملاذ الآمن للمدرب الإسباني. استقر دي لا فوينتي بالقرب من أبنائه الثلاثة، وحرص على زيارة أجداده باستمرار. ورغم الأزمات المالية والنفسية التي تصاحب البطالة، إلا أنه لم يبتعد لحظة عن عالم كرة القدم.
استغل دي لا فوينتي فترة التوقف لتطوير نفسه، فدرس خطط المدربين الكبار مثل مارسيلو بيلسا، وزار العديد من الأندية لحضور التدريبات الحية.
كما خصص وقتًا لتعلم اللغة الإنجليزية والقراءة في الفلسفة والتاريخ، مع الحفاظ على لياقته البدنية من خلال تدريبات مكثفة في صالة الألعاب الرياضية.
مكالمة غيرت مسار التاريخ
في عام 2013، كانت تبحث اللجان الفنية بالاتحاد الإسباني عن مدرب لمنتخب الشباب تحت 19 عامًا. وبعد رفض المهاجم الأسطوري فرناندو مورينتس للمنصب، تواصل دي لا فوينتي مع صديقه إيناكي سايز، الذي رشحه بدوره للمسؤولين في الاتحاد، ليتم التعاقد معه بعقد مبدئي لمدة ثلاثة أشهر فقط.

وبفضل إيمانه بقدراته، بدأ دي لا فوينتي البحث عن شقة في مدريد منذ اليوم الأول، وهو رهان فاز به لاحقًا، حيث تم تمديد عقده ليقضي 13 عامًا متواصلة في المنتخبات الوطنية، محققًا نجاحات مدوية في مختلف الفئات السنية، ومُوقعًا على عقد يمتد حتى عام 2028.
واليوم، بينما يستعد لخوض نهائي كأس العالم، يقف لويس دي لا فوينتي كرمز للأمل، ليثبت للجميع أن الصبر والمثابرة قادران على تحويل أوقات البطالة المظلمة إلى منصات للتتويج والمجد.

Leave a comment