#رحيل #مفاجئ #يوجع #القلوب
بقلم خليل القريبي
خبير إعلامي معتمد
في لحظات لا تُمهل أحداً، غاب الصديق القريب، والرحيم، أحمد بارشيد، كما لو أن الزمن قرر أن يختصر الحكاية في سطر واحد موجع، رجل عرفه من حوله بهدوئه وطيبته، لم يكن كثير الظهور، لكنه كان حاضراً بقيمه، بأخلاقه، وبأثره الذي يسبق اسمه، ومن كان يلتقيه يدرك سريعاً أنه أمام إنسان صادق، تربيته تشبهه، ونبله يسبقه، وعلاقاته تمتد بصدق الأخ، ودفء الصديق، وقرب القريب، ورحمة الإنسان.
غير أن تفاصيل الرحيل تحمل ما يفوق الصدمة؛ البداية كانت مع طارق بارشيد، ابن خاله وصديق عمره، الذي غادر الحياة بشكل مفاجئ بعد شعوره بألم في صدره، في لحظات قصيرة لم تترك مجالًا للتوقع أو الاستعداد، خبر رحيله كان كافياً ليُحدث صدمة في محيطه، لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد؛ بعده بسويعات، لحق به أحمد، إثر شعوره بألم في حلقه، وكأن الخبر الذي سبق رحيله لم يكن مجرد حدث، بل لحظة فاصلة اختُتمت بها حكاية مشتركة من المحبة والوفاء، امتدت منذ الطفولة، فلم يكن بين الرحيلين زمن طويل، لكنه كان كافياً ليجعل الفقد مضاعفاً، ويحوِّل الحزن إلى حالة جماعية يصعب وصفها.
ما يجعل هذه القصة أكثر عمقًا أن العلاقة بين أحمد وطارق لم تكن مجرد قرابة عائلية، بل كانت امتداداً لأكثر من خمسة عقود من الرفقة والتقارب، ومن يعرفهما يدرك أن الرابط بينهما كان استثنائياً، وأن حضورهما معاً كان جزءاً من المشهد الطبيعي لكل من حولهما، ولذلك، جاء الرحيل كما لو أنه امتداد لتلك العلاقة، بداية بطارق، ثم أحمد، في مشهد يختصر سنوات من الصحبة في نهاية واحدة متقاربة. لكن المشهد الأكثر تأثيراً لم يكن في لحظة الوفاة فقط، بل في ما تلاها؛ جسدان متجاوران، كما كانا في الحياة، اجتمعا مرة أخرى في الرحيل، وكأن القدر أراد أن يكتب خاتمة مشتركة لقصة بدأت منذ الصغر، في صورة تختزل معنى الوفاء، وتترك في القلب أثراً لا يُمحى.
في مثل هذه اللحظات، يقف الإنسان أمام هشاشة الحياة وسرعتها، لا أحد يملك وعد الغد، ولا أحد يعلم متى تأتي اللحظة الأخيرة، فرحيل طارق أولًا، ثم أحمد، يذكِّرنا بأن الحياة قد تتغير في دقائق، وأن ما نؤجله من كلمات ومشاعر قد لا يجد طريقه يوماً. رحلا متتابعين، كما عاشا متقاربين، وترك كل منهما في قلوب من عرفهما مساحة من الحزن الصادق، وذكرى باقية. وبين ألم الفقد، تبقى السلوى في أن الله جمعهما في نهاية واحدة، كما جمعهما في سنوات الحياة، وكأن تلك الخاتمة كانت امتداداً طبيعياً لعلاقة لم تعرف الفراق.

Leave a comment